عين القضاة

100

شرح كلمات بابا طاهر العريان

بيان الابتلاء قال : ( البلاء تجربة الحقّ ) . أقول : كلّ بلاء من الفقر ، والجوع ، وتلف المال والنفس ، تجربة الحقّ ؛ ليبلو بذلك من وجدها من الحقّ ، وصبر عليها وشكر ، فمن لم يجدها ، وجزع عليها ، وكفر منها ، وعليه قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) [ البقرة : الآيتان 155 ، 156 ] . وقال : ( البلوى من الحقّ على ضربين : بالواسطة ، وبغير الواسطة ، فمن ابتلاه بالواسطة هلك ، ومن ابتلاه بغير الواسطة نجا ، ألا ترى أنّ آدم عليه السّلام ابتلي بغير الواسطة ، فحين أمره خالف أمره بلا واسطة ، فقبل اللّه توبته ، فكان مبتلّى بغير الواسطة ، فأمّا إبليس فابتلاه بالواسطة فهلك إلى الأبد ) . أقول : بناء هذا الكلام على قاعدة عرفانية ، وهي أنّ الابتلاء من اللّه عناية بالعبد المبتلى ، وتربية وتصفية له ؛ ليخرجه من ظلمات الاستتار إلى نور التجلّي ، ويجعله أهلا لخلافته ، ألا ترى أنّ إبراهيم عليه السّلام ما وجد رتبة الإمامة ، التي هي أعلى الرتب ، إلّا بعد إتمام مراده منه بالابتلاء ، في قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة : الآية 124 ] ، ومن تلك الكلمات الأمر بذبح إسماعيل عليه السّلام ، والإلقاء إلى النار ، وما يناسبها . وكون الابتلاء عناية مشروطة ؛ لأنّ المبتلى يكون لذاته مقصودا بذلك ، لا لغيره ، والشيخ - رحمه اللّه - عبّر عن الابتلاء الذاتي بغير الواسطة ، وعن غيره بالواسطة ، ومثّل ببيان قوله بحال آدم عليه السّلام ، حيث ابتلاه اللّه بمخالفة الأمر ، وإخراجه من الجنّة ؛ لينال ما نال من الاجتباء والاصطفاء ، وتعليم جميع الأسماء ، وخلافته في الأرض بعد ما تاب عليه وهدى . وكان ذلك لكونه مقصودا بالابتلاء لذاته ، وحال إبليس حيث ابتلاه بمخالفة الأمر ، وإخراجه من زمرة الملائكة ، وخلع لباس القرب عنه ؛ لينال ما نال من اللّعنة إلى يوم الدين ؛ وذلك لأنّ ابتلاءه كان واسطة لابتلاء آدم عليه السّلام ، لا مقصودا لذاته .